تصعيد غير مسبوق يشهده الصراع بين إيران وكل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. فللمرة الأولى في تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية المقطوعة والمتوترة منذ 45 عاماً، تتصاعد لغة التهديد والهجوم إلى مستويات لم يسبق لها مثيل خلال كل هذه الفترة، وذلك في الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي توعد طهران أخيراً في أحدث تهديداته بأن "الآتي أعظم"، إن لم تتوقف جماعة الحوثيين في اليمن عن تهديد الملاحة البحرية بالمنطقة ومهاجمة السفن الأميركية.
وكتب ترامب على منصته تروث سوشال، أول من أمس الاثنين، أن "الخيار أمام الحوثيين واضح: توقفوا عن استهداف السفن الأميركية، وسنتوقف عن استهدافكم. وإلا، فإننا فقط في البداية، والألم الحقيقي لم يأت بعد، سواء للحوثيين أو رعاتهم في إيران". وسبق هذا التهديد الذي يطاول سياسات إيران الإقليمية، تهديد مماثل لترامب، الأحد الماضي، بشأن ملف خلافي ساخن آخر بين البلدين، هو الملف النووي، مهدداً بقصف "لا مثيل له" لإيران وفرض رسوم جمركية ثانوية عليها، إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع واشنطن بشأن برنامجها النووي. وكان ترامب وجّه رسالة للمرشد الإيراني علي خامنئي في مارس/آذار الماضي عبر الإمارات، حذّر فيها طهران من مغبة عدم التفاوض حول سلّة من القضايا على رأسها برنامجها النووي، فيما أكدت إيران الأسبوع الماضي أنها ردّت على الرسالة عبر سلطنة عُمان، رافضة أي نقاش خارج برنامجها النووي وقالت إنها لا تمانع في التفاوض "غير المباشر" مع واشنطن حوله، وانطلاقاً من الاتفاق الذي انسحب منه ترامب في 2018، كما أكدت رفضها سياسة الضغوط والعقوبات.
وتعزز الإدارة الأميركية تهديداتها ضد إيران بسياسة العقوبات القصوى التي عاد ترامب لفرضها بعد عودته إلى البيت الأبيض. ولا تتوقف العقوبات الأميركية على مختلف القطاعات الاقتصادية الإيرانية في مقدمها القطاع النفطي، بغية تصفير صادراتها النفطية وتضييق الخناق الاقتصادي. كما سجّلت تحركات عسكرية، تتمثل بالتحشيد العسكري الأميركي، بما فيه نقل الجيش الأميركي قاذفات شبحية بعيدة المدى من طراز "بي 2" القادرة على حمل رؤوس نووية، إلى قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، بالإضافة إلى تعزيز القواعد الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
بدورها، لا تكاد تتوقف التهديدات الإيرانية "الجوابية" برد "حازم" و"صارم" و"قوي" و"مزلزل" وغيرها، وصلت إلى ذروتها ليلة الاثنين – الثلاثاء، عندما أكد كبير مستشاري المرشد الإيراني، علي لاريجاني، أن بلاده ستضطر لصناعة القنبلة النووية إذا تعرضت لقصف أميركي وإسرائيلي، مشيراً إلى أن البرنامج النووي الإيراني "لن يُعطّل بالقصف". وأضاف أنه تم التخطيط للتكنولوجيا النووية الإيرانية بطريقة أنه "حتى إن تعرضت للقصف، لن تشهد توقفاً"، محذراً من أن "العمل العسكري ضد إيران لن يكون دون تبعات". لكن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قال مساء أمس الثلاثاء، إن بلاده "تؤكد مجدداً أنها لن تسعى أبداً تحت أي ظرف كان إلى امتلاك وتطوير أو حيازة أي أسلحة نووية"، لتمثل تصريحاته تراجعاً عما أدلى به لاريجاني.
كما توعد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بـ"تفجير المنطقة برمتها" واستهداف جميع القواعد الأميركية فيها، وصولاً إلى استهداف حلفاء الولايات المتحدة، في حال تمّ الاعتداء على إيران. وكانت صحيفة ذا تلغراف البريطانية نقلت قبل أيام عن مسؤول عسكري إيراني رفيع قوله إن طهران ستضرب القاعدة البحرية الأميركية البريطانية دييغو غارسيا ردا على أي هجوم أميركي، مضيفاً أنه لن يكون هناك تمييز بين القوات البريطانية أو الأميركية.
مواجهة محدودة
ورأى الخبير السياسي الإيراني، صلاح الدين خديو، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن حظوظ وقوع مواجهة عسكرية بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل "أكبر من التوصل إلى اتفاق"، مشيراً إلى أن احتمالات وقوع هذه المواجهة باتت أعلى أكثر من أي وقت مضى، "لكنها ستكون محدودة ولن تكون واسعة"، على حدّ اعتقاده. واعتبر خديو أن "إسرائيل التي ترغب في هذه المواجهة بفارغ الصبر هي المحرض الرئيسي لإشعالها، ما من شأنه أن يساعد في تجاوز عقبة تجنب ترامب الحرب". ولم يستبعد خديو في الوقت نفسه أن يتمخض عن المواجهة العسكرية المحدودة "اتفاق" في نهاية المطاف بين طهران وواشنطن، لكنه شدّد على أن أمر المواجهة أو عدمها يعود في نهاية المطاف إلى حالة الرئيس الأميركي لحظة اتخاذ القرار وإذا كان يتأثر بأي طرف أكثر تطرفاً منه داخل فريق عمله، فضلاً عن دور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته المتطرفة. لكن وفق اعتقاده، فإن "ترامب يميل إلى الاتفاق أكثر، رغم مطالبه التي طرحها على إيران وهي إلى حدّ كبير غير مقبولة".
في الأثناء، قلّل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، أول من أمس الاثنين، من أهمية التهديدات التي أطلقها ترامب بقصف بلاده، قائلاً: "إنهم يهدّدون بمهاجمة إيران، لكن لا نتوقع كثيراً أن يحدث عمل شرير من الخارج، وفي حال حدث ذلك فسيتلقون ضربات شديدة وقوية جداً". كما رأى لاريجاني في حديثه التلفزيوني، مساء الاثنين، أن احتمال شنّ حرب على إيران "ضعيف". لكن طهران رغم تهديداتها وتقليلها من إمكانية وقوع حرب، اتخذت إجراءات عدة تهدف إلى إدارة التوتر مع واشنطن والعمل على ضبطه في إطار معين ومنع خروجه عن السيطرة. ومن هذه الإجراءات، هو الرد على رسالة ترامب، وهو أول رد جوابي إيراني على رسالة لرئيس أميركي، بينما كانت طهران تجاهلت سابقاً رسائل رؤساء أميركيين، بمن فيهم ترامب نفسه خلال ولايته الرئاسية الأولى، فضلاً عن عدم وضع العلم الأميركي على الأرض على بوابة مدينة صاروخية كشفت عنها الأسبوع الماضي، ليمر عليه المارة، والاكتفاء بالعلم الإسرائيلي، بينما خلال عملية إزاحة الستار عن مدينة صاروخية في أعماق الأرض العالم الماضي، كان العلم الأميركي موضوعاً على الأرض.
معادلة "الردع النووي"
غير أن تهديد إيران بصناعة القنبلة النووية إذا ما تعرضت للقصف، يعني أخذها تهديدات ترامب على محمل الجد. وعزا الخبير الإيراني صلاح الدين خديو في حديثه لـ"العربي الجديد"، سبب هذا التهديد، إلى محاولة إيرانية لخلق حالة "ردع" إزاء تنفيذ التهديدات الأميركية، مشيراً إلى أنها أيضاً أصبحت تستخدم لغة التهديد كالإدارة الأميركية على أمل أن تردع هذه الإدارة، "لكن هذه السياسة ربما تأتي بنتيجة عكسية وتدفع الطرف الآخر إلى قناعة بضرورة التخلص من البرنامج النووي الإيراني لكي لا تتكرر تجربة كوريا الشمالية وتتحول إيران إلى الدولة النووية العاشرة في العالم". واعتبر أنه "في الوقت ذاته، فإن طرح طهران هذا التهديد يأتي في وقت لم تعد تمتلك أوراق قوة كالسابق في المنطقة في ظل الضربات التي تلقاها حلفاؤها مثل سقوط نظام بشار الأسد وإضعاف حزب الله الشديد وتعرض الحوثيين لهجمات متلاحقة"، وفق اعتباره.
في الأثناء، لا يبدو أن دبلوماسية الرسائل بين طهران وواشنطن على خلفية رسالة ترامب للمرشد والرسالة الجوابية التي أرسلتها الخارجية الإيرانية تأتي بجديد. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أكد أن التهديدات تطغى على رسالة ترامب، وهو ما ردّت عليه طهران بالمثل، بحسب ما أكدته مصادر إيرانية مطلعة لـ"العربي الجديد"، يوم الأحد الماضي، مشيرة إلى أنها أكدت أن طهران "ستدافع عن مصالحها وأمنها القومي على نحو صارم، وردّها على أي استهداف لن تكون له حدود معيّنة".
مطالب ترامب الثلاثة
مطالب ترامب من إيران لا تقتصر على برنامجها النووي، بل تتجاوزه إلى برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية، حيث أوضح الخبير الإيراني صلاح الدين هرسني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الرئيس الأميركي في إطار "دبلوماسية الإملاء" يطرح ثلاثة مطالب، تتمثل في تعطيل البرنامج النووي، والحد من قدراتها الصاروخية، وتقزيم نفوذ وقوة إيران في المنطقة ودعمها للقوى الحليفة والوكيلة. واعتبر هرسني أن الرئيس الأميركي يسعى إلى إخضاع إيران لجعلها عديمة التأثير في معادلات الشرق الأوسط وهندسة جيوسياسية غرب آسيا، مضيفاً أن "لا حد لمطالبه".
وظلّت إيران، في مواجهة مطالب ترامب، تؤكد أنها لن تجري أي تفاوض مباشر مع الولايات المتحدة، لكنها فتحت الباب أمام مفاوضات غير مباشرة تقتصر على الملف النووي فحسب، "وذلك فقط على أساس الاتفاق النووي المبرم عام 2015 والاحترام المتبادل"، حسب ما قالته مصادر إيرانية مطلعة لـ"العربي الجديد"، الأسبوع الماضي. كما أكدت طهران رفضها المطلق لإجراء أي نقاش حول قدراتها الدفاعية وصواريخها، مع التأكيد أن علاقاتها مع حلفائها الإقليميين "تعتمد على الاتفاقيات الثنائية، وأن الحلفاء مستقلون ولا يتبعوننا، وأي اتفاق مع هذه الأطراف سيكون محل ترحابها"، ما يعني أنها أحالت ترامب إلى التفاوض معهم.
واعتبر هرسني أن رفض إيران التفاوض المباشر مع الإدارة الأميركية ومطالب واشنطن التي لا حدود لها يعتمد منطق "الواقعية" السياسية الذي "لا يسمح لأي لاعب بأن يخوض تفاوضاً لأجل البقاء في منظومة نظام دولي مبني على الأناركية (اللاسلطوية)"، مضيفاً أن إيران "إذا ما خضعت لمطالب ترامب، ستفقد حينئذ ردعها".
ويتبع الرئيس الأميركي نموذج "العصا والجزر" تجاه إيران أو "التهديد والدبلوماسية" معاً، وفق الخبير الإيراني الذي قال إنه إلى جانب تهديداته ومطالبه المبالغ فيها يدعو إلى الدبلوماسية والتفاوض، لافتاً إلى أن ترامب لا يهدف إلى تغيير نظام الحكم في إيران، بل غايته هي "التوصل إلى اتفاق أفضل مما أبرمه سلفه باراك أوباما" عام 2015. وتوقع هرسني أن ينتهي التصعيد الراهن بين طهران وواشنطن إلى تفاوض "منطقي ومحسوب" بواسطة سلطنة عُمان واتفاق ومنع اندلاع حرب مكلفة، قائلا إن الاتفاق مع إيران من شأنه أن يضمن لترامب "صناعة صورة صانع السلام، وهو ما يريده".
"التمرد" في داخل إيران
لا تخفي السلطات الإيرانية مخاوفها من ارتدادات داخلية لضغوط ترامب الخارجية القصوى، فقد عبّر أكثر من مسؤول إيراني عن قلقه من إمكانية اندلاع ما يصفونه بـ"الفتنة" في الداخل الإيراني لزيادة جرعة الضغط على إيران في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ورأى القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني، حسين كنعاني مقدم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن استراتيجية ترامب تجاه إيران تتمحور حول "الضغط من الخارج والتمرد من الداخل"، مضيفاً أن الرئيس الأميركي يسعى من خلال ممارسة الضغوط والعقوبات الاقتصادية القصوى و"أعمال إرهابية" إلى تحريض المواطنين على السلطات ودفعهم إلى "التمرد والاحتجاج" و"العصيان المدني". وعزا الهدف الأميركي من ذلك إلى إجبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الجلوس إلى طاولة التفاوض وتقديمها التنازلات التي يريدونها، "لكن التجربة تؤكد أن السلطات لديها القدرة على السيطرة والاحتواء في الداخل"، ومعتبراً أن بلاده "قد شهدت من قبل فتناً كبيرة وتجاوزتها".